متعة الصورة ورشاقة الكلمة

الشاعر مصطفي الجارحي لـ حريتي:

الأغنية حالة تلغرافية بسيطة المعمار والقصيدة حالة كونية شاملة

سهي زكي
عندما تقابل مصطفي الجارحي. وما أن تسلم عليه. وتنظر في عينيه ستعرف كم يبدو الشاعر حزينا دائما. ومهموما. ستعرف أن الشعر يتجسد في صوته الهاديء الخفيض. وخطواته الهادئة التي لاتتعجل امور الحياة. بل هو سيد الصبر الجميل. حيث لم يتعجل نجاحا ولا صعودا ولا نجومية. بل يكاد يؤمن بأن النجومية تنقص من موهبة المبدع وتؤثر عليها. يبدو لك متعبدا. زاهدا في محراب الابداع والخير فهو ممن يعرفون قيمة الخير والسلام والمحبة. ويخرج معانيها من صمتها. فلا تصبح مجرد اكليشيهات شاعرية. يعمل في صمت ويؤثر بشعره في سكينة…
في حوار معه سألناه:
* لماذا يبدو مصطفي الجارحي مهموما دائما برغم أنه من أكثر الشعراء إنجازا وأملا في الغد كما يبدو في قصائده؟
¼ الذات المبدعة بطبيعتها قلقة وحالمة وتنزع للكمال. لم أتوقع علي الإطلاق أن يسألني أحد مثل هذا السؤال. خصوصًا في حوار متعلق بالثقافة.. صحيح.. كل من يعرفني عن قرب يدرك كم أنا غارق في همومي.. يعطونني سنًا أكبر من سني.. لحظات الفرح الحقيقية قصيرة جدًا.. الآن لا شئ يدعو للمسرة وسط هذه الحالة غير المستقرة التي نعيشها.. لا شئ يُدخل علي النفس الطمأنينة.. لا يمكن أن يأمن الإنسان علي حياته وحياة أبنائه ومحبيه ونحن نسمع من وقت للآخر عن انفجار هنا ومذبحة هناك.. باختصار نحن نعيش قلقًا طويلا يبدو لا نهاية له.. أما حياتي الحقيقية فأعيشها مع القصيدة.. معها أشعر بإنسانيتي وأعيش حريةً ما بعدها حرية.. هو عالمي. أو إذا شئتي. خندقي الأخير. جنَّتي علي تلك الأرض.. وحين تجبرني الظروف علي الخروج من الجنة لتلبية بعض الأغراض الحياتية لا أتوقع غير الجحيم.. والجحيم فقط.
* هل تعتقد أن الشعر مظلوم حقا وأن الأغنية تعتدي علي حق القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر التي لا تصلح للغناء؟
¼ الأغنية العربية. وليس المصرية فقط. تعيش أزمة منذ سنوات طويلة.. تدور في فلك واحد.. تتناول موضوع الحب.. فإذا أراد كاتبها أن تكون عن لقاء الحبيبين مثلا فإنه يذهب بها إلي التغزل والوصف وصنع عالم من الأحلام والورود رغبة في اللقاء. أو تكون عن الفراق والهجر فتكثر مفردات السهد والسهر والدموع.. هي تعبير عن حالة فرح أو شجن.. والأغنية تتحكم فيها عوامل كثيرة بعيدة عن كاتبها. فهناك مطرب وملحن وموزع وموسيقيون وستوديو للتسجيل والمكساج. والأهم من ذلك هناك المنتج المتحكم في هذه الصناعة. باختصار لا شئ في يد الكاتب علي الرغم من أن كل هذه المنظومة تتحرك بناءً علي ما كتبه.. هذا هو “سوق الأغنية الرسمي” الذي أرادوه لنا.. لكن الأغنية الحقيقية يتم صناعتها في الهامش.. بعيدا عن سوق الإنتاج والمؤسسة. ومن ثم ظهرت أسماء كثيرة لشعراء أغنية ومطربين وملحنين وفرق شبابية أراها أهم كثيرًا من هؤلاء المشهورين.. الشاعر الحقيقي سواء كان يكتب العمودي أو التفعيلة أو النثر لا يهتم بهذه الأمور لأن القصيدة أكثر تركيبًا وتعقيدًا من الأغنية.. فالأغنية حالة تلغرافية بسيطة المعمار من مذهب وعدد من الكوبليهات. وفي الغالب الأعم تعتمد علي جملة واحدة مضيئة “الإفيه”.. أما القصيدة فهي حالة كونية شاملة لا يمكن مقارنتها بالأغنية.. شخصيًا أكتب الأغنية ابنة القصيدة.. أميل لكتابة أغنية محملة بطاقات شعرية.. مثل هذه الكتابة لا ترحب بها شركات الإنتاج.. وأكون سعيدًا بموقفهم.. فأن يحتفي المنتجون بأغنية لي معناه أن هذه الأغنية ليست جيدة.
* أعرف أنك كنت دائما ممن يشاركون في مشاريع أدبية ناجحة. ولكنك مؤخرا تقيم مشروعا مستقلا وهو موقع “كَ تَ بَ” علي الإنترنت. هل تري أن علي الكاتب أن يقوم بترويج الإبداع؟ أم أن هذا يمكن أن يتسبب في تعطيله؟
¼ موقع “كَ تَ بَ” هو حلمي القديم الذي يتجدد من وقت لآخر.. كان في بدايته. في التسعينات. مجرد نشرة. ثم أصبح جريدة “تابلويد” ثم مجلة.. الآن هو موقع إلكتروني يلقي استحسان البعض.. أما الكاتب فعليه أن يقرأ كثيرًا وينصت أكثر حتي يكتب إبداعًا حقيقيًا.. “كَ تَ بَ” يتيح لي هذا الأمر.. أقرأ أعمالا قصصية وشعرية ونقدية. تأتيني أعمال تشكيلية وموضوعات ذات صلة بالفولكلور والتراث والتصوف وأدب الأطفال والسينما. فماذا يريد الكاتب أكثر من ذلك.. أقرأ وأتعرف علي آخرين مثلي من كل البلاد العربية. هذا بالتأكيد احتكاك يثري تجربتي ويساعدني علي تجويد كتاباتي.. أنا لا أتعلم إلا من هذ الكتابات حتي وإن كان كتّابها صغيري السن.. فضلاً عن أن ترويج مثل هذه الإبداعات يصنع ذائقة لدي الجمهور المتابع للموقع وهذ أمر مهم جدًا للمثقف.
* هل تتابع الحركة الأدبية جيدا والشعرية تحديدا؟
¼بطبيعة الحال أتابع الحركة الأدبية في مصر.. وكنت قبل سنوات أعرف الشعراء والقصاصين بالاسم وربما التقيت غالبيتهم. الآن أتابعهم بقدر الإمكان. من وقت لآخر. لأن عدد المبدعين يزداد بشكل لم يسبق له مثيل. والإنترنت نفسه صنع شعراء وكتاب قصة وجمهورًا لهم. لا علاقة له بندواتنا وأمسياتنا.. هناك شخص ينشر ما يكتبه فيتلقي في التو واللحظة آلاف من كلمات الإطراء والإعجاب. صحيح أنه عالم افتراضي لكنه مؤثر.
* كيف تقيم الوسط الثقافي من خلال متابعتك لثلاثة أجيال مختلفة منذ بدايتك وإلي الآن؟
¼ هناك بالتأكيد وسط ثقافي رسمي حكومي مؤسسي.. هناك وزارة ثقافة لها مجلس أعلي وهيئة كتاب وهيئة لقصور الثقافة تمتد لجميع المحافظات وغالبية المراكز. فيما يسمي قصور وبيوت الثقافة.. هناك هيئات أخري منها البيت الفني للمسرح.. مركز قومي لثقافة الطفل.. للترجمة.. مكتبات عامة.. وهيئة لصناعة السينما.. هناك نزيف للمطبوعات الشعرية والروائية والتراثية والنقدية.. هناك صخب وضجيج.. ندوات هنا وهناك.. ومهرجانات ومعارض تشكيلية وأخري للكتاب.. وهناك وزارات أخري تساهم في الأمر منها وزارة الشباب ووزارة الصناعة.. كل ما يخطر علي البال لخدمة الثقافة موجود علي أرض المحروسة.. لكنها مجرد كرنفالات لا تقدم شيئًا.. تستنفد مواردنا.. لا ترفع مستوي الوعي.. بدليل ما نشاهده من إرهاب فكري وديني وسياسي.. باختصار هناك وسط ثقافي بلا ثقافة.. ومن ثم فهو وسط مأزوم ومنسحب.. لكن الصورة ليست بهذه الدمامة.. فثمة ضوء يأتي بعيدا عن المؤسسة.. عبر المراكز الثقافية غير الحكومية.. والمؤسسات والجمعيات الأهلية.. الثقافة الحقيقية الآن تُصنع في الهامش.. وربما علي المقاهي.. وهذا الهامش أفرز كتابات قصصية وروائية فارقة ومختلفة. كما أنتج أفلامًا روائية قصيرة مدهشة وعالمية. وتشكيليين. وشعراء وموسيقيين ونقادًا.
* ما الذي يخيفك كشاعر؟
– أخاف أن تنتهي حياتي قبل أن أكتب قصيدة جيدة.
هل توافق علي رأي بعض المبدعين. أن الزواج مقبرة المبدع؟
الزواج يكون مقبرة للمبدعين حقًا إذا كان أحد الطرفين لا يستوعب فكرة عمل الآخر. أقصد العمل الإبداعي. فالمبدع والمبدعة حالة مختلفة عن أي شخص آخر. والذات المبدعة بطبيعتها قلقة وحالمة. وتنزع للكمال. كما أنها ذات محاطة دائما بالمعجبين والمعجبات.. وهو موضوع شائك وحساس ويمكن أن يسبب قلقًا لأحد الطرفين.. وفي عالمنا المادي البحت يضطر المبدع إلي امتهان عمل من أجل التغلب علي ظروف المعيشة. وسرقة بعض الوقت للقراءة وكتابة مشروعه. وفي معظم الأحيان يكون العمل غير مناسب لتركيبته. ثم إن الروتين ضد الإبداع. ودولاب العمل يتطلب الحضور والانصراف في مواعيد محددة. هنا يعاني المبدع ويضطر للبحث عن عمل قريب نسبيا من موضوع الكتابة. وعالم الصحافة هو الطريق الأقرب. ولأنه عالم في أغلبه الأعم زائف فإن المبدع يصطدم بواقع أكثر مرارة.. ومن ثم يعيش خيبات كثيرة وخسارات أكثر.. وإذا لم يستوعب شريكه هذا الأمر تتحقق مقولة “الزواج مقبرة المبدع”.. أنا أتحدث عن تجربة شخصية. وأنشغل كثيرًا بتجارب الأصدقاء. لكنني أعرف تجارب ناجحة جدا تؤكد أن الزواج حافز للمبدع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات